سيد قطب
2555
في ظلال القرآن
تراهم من بعيد ! فإذا هي تتغيظ وتزفر فيسمعون زفيرها وتغيظها ؛ وهي تتحرق عليهم ، وتصعد الزفرات غيظا منهم ؛ وهي تتميز من النقمة ، وهم إليها في الطريق ! . . مشهد رعيب يزلزل الأقدام والقلوب ! ثم ها هم أولاء قد وصلوا . فلم يتركوا لهذه الغول طلقاء . يصارعونها فتصرعهم ، ويتحامونها فتغلبهم . بل ألقوا إليها إلقاء . ألقوا مقرنين ، قد قرنت أيديهم إلى أرجلهم في السلاسل . وألقوا في مكان منها ضيق ، يزيدهم كربة وضيقا ، ويعجزهم عن التفلت والتململ . . ثم ها هم أولاء يائسون من الخلاص ، مكروبون في السعير . فراحوا يدعون الهلاك أن ينقذهم من هذا البلاء : « وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً » . فالهلاك اليوم أمنية المتمني ، والمنفذ الوحيد للخلاص من هذا الكرب الذي لا يطاق ثم ها هم أولاء يسمعون جواب الدعاء . يسمعون تهكما ساخرا مريرا : « لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً » . فهلاك واحد لا يجدي شيئا ولا يكفي شيئا ! وفي هذا الموقف المكروب الرعيب يعرض ما أعد للمتقين ، الذين يخشون ربهم ويرجون لقاءه ، ويؤمنون بالساعة . يعرض في أسلوب متهكم كذلك ساخر . « قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ ؟ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً ؛ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ . كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا ؟ » . أذلك الكرب الفظيع خير ؟ أم جنة الخلد التي وعدها اللّه المتقين ، وخولهم حق سؤاله عنها ، وطلب تحقيق وعده الذي لا يخلف ، ومنحهم أن يطلبوا فيها ما يشاءون ؟ وهل هناك وجه للموازنة ؟ ولكنها السخرية المريرة بالساخرين الذين يتطاولون على الرسول الكريم . ثم يمضي مستطردا يعرض مشهدا آخر من مشاهد الساعة التي كذب بها المكذبون . مشهد أولئك المشركين ، وقد حشروا مع آلهتهم التي كانوا يزعمون ، ووقف الجميع عبادا ومعبودين أمام الديان يسألون ويجيبون ! « وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَيَقُولُ : أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ ، أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ؟ قالُوا : سُبْحانَكَ ! ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ . وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ ، وَكانُوا قَوْماً بُوراً . . فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ ، فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً . وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً » . . وما يعبدون من دون اللّه قد يكونون هم الأصنام . وقد يكونون هم الملائكة والجن ، وكل معبود من دون اللّه . وإن اللّه ليعلم . ولكن الاستجواب هكذا في الساحة الكبرى ، وهم محشورون أجمعين ، فيه تشهير وتأنيب ، وهو ذاته عذاب مرهوب ! والجواب هو الإنابة من هؤلاء « الآلهة » ! الإنابة للّه الواحد القهار . وتنزيهه عن ذلك الافتراء ، والتبرؤ لا من ادعاء الألوهية ، ولكن من مجرد أن يتخذوا لهم أولياء من دون اللّه ، والزراية على أولئك الجاحدين الجهال : « قالُوا : سُبْحانَكَ ! ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ . وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ ، وَكانُوا قَوْماً بُوراً » . . فهذا المتاع الطويل الموروث - على غير معرفة بواهب النعمة ولا توجه ولا شكر - قد ألهاهم وأنساهم ذكر المنعم ، فانتهت قلوبهم إلى الجدب والبوار . كالأرض البور لا حياة فيها ولا زرع ولا ثمار . والبوار الهلاك ، ولكن اللفظ يوحي كذلك بالجدب والخواء . جدب القلوب ، وخواء الحياة . عندئذ يتوجه إلى أولئك العباد الجهال بالخطاب المخزي المهين :